الشوكاني
6
فتح القدير
لا تحلوا شعائر الله ) الشعائر جمع شعيرة على وزن فعيلة . قال ابن فارس : ويقال للواحدة شعارة وهو أحسن ، ومنه الإشعار للهدى . والمشاعر : المعالم ، واحدها مشعر ، وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات ، قيل المراد بها هنا جميع مناسك الحج : وقيل الصفا والمروة ، والهدى والبدن . والمعنى على هذين القولين : لا تحلوا هذه الأمور بأن يقع منكم الإخلال بشئ منها أو بأن تحولوا بينها وبين من أراد فعلها . ذكر سبحانه النهي عن أن يحلوا شعائر الله عقب ذكره تحريم صيد المحرم ، وقيل المراد بالشعائر هنا فرائض الله ، ومنه - ومن يعظم شعائر الله - ، وقيل هي حرمات الله ، ولا مانع من حمل ذلك على الجميع اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ولا بما يدل عليه السياق . قوله ( ولا الشهر الحرام ) المراد به الجنس ، فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم وهي أربعة ، ذو القعدة ، وذو الحجة ومحرم ، ورجب : أي لا تحلوها بالقتال فيها ، وقيل المراد به هنا شهر الحج فقط . قوله ( ولا الهدى ) هو ما يهدى إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة ، الواحدة هدية . نهاهم سبحانه عن أن يحلوا حرمة الهدى بأن يأخذوه على صاحبه أو يحولوا بينه وبين المكان الذي يهدى إليه ، وعطف الهدى على الشعائر مع دخوله تحتها لقصد التنبيه على مزيد خصوصيته والتشديد في شأنه . قوله ( ولا القلائد ) جمع قلادة ، وهي ما يقلد به الهدى من نعل أو نحوه . وإحلالها بأن تؤخذ غصبا ، وفي النهى عن إحلال القلائد تأكيد للنهي عن إحلال الهدى ، وقيل المراد بالقلائد المقلدات بها ، ويكون عطفه على الهدى لزيادة التوصية بالهدى ، والأول أولى ، وقيل المراد بالقلائد ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم ، فهو على حذف مضاف : أي ولأصحاب القلائد . قوله ( ولا آمين البيت الحرام ) أي قاصديه من قولهم أممت كذا : أي قصدته . وقرأ الأعمش " ولا آمي البيت الحرام " بالإضافة . والمعنى : لا تمنعوا من قصد البيت الحرام لحج أو عمرة أو ليسكن فيه ، وقيل إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين كانوا يحجون ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم ، فنزل ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) إلى آخر الآية فيكون ذلك منسوخا بقوله - اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - ، وقوله - فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا - ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم " لا يحجن بعد العام مشرك " . وقال قوم : الآية محكمة وهي في المسلمين . قوله ( يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) جملة حالية من الضمير المستتر في ( آمين ) قال جمهور المفسرين : معناه يبتغون الفضل والأرباح في التجارة ، ويبتغون مع ذلك رضوان الله ، وقيل كان منهم من يطلب التجارة ، ومنهم من يبتغي بالحج رضوان الله ، ويكون هذا الابتغاء للرضوان بحسب اعتقادهم وفي ظنهم عند من جعل الآية في المشركين ، وقيل المراد بالفضل هنا الثواب لا الأرباح في التجارة . قوله ( وإذا حللتم فاصطادوا ) هذا تصريح بما أفاده مفهوم ( وأنتم حرم ) أباح لهم الصيد بعد أن حظره عليهم لزوال السبب الذي حرم لأجله ، وهو الإحرام . قوله ( ولا يجرمنكم شنآن قوم ) قال ابن فارس : جرم وأجرم ولا جرم بمعنى قولك لا بد ولا محالة ، وأصلها من جرم أي كسب ، وقيل المعنى : لا يحملنكم قاله الكسائي وثعلب وهو يتعدى إلى مفعولين يقال جرمني كذا على بغضك : أي حملني عليه ومنه قول الشاعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أي جملتهم على الغضب . وقال أبو عبيدة والفراء : معنى ( لا يجرمنكم ) لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل ، والعدل إلى الجور والجريمة والجارم بمعنى الكاسب ، ومنه قول الشاعر : جريمة ناهض في رأس نيق * يرى لعظام ما جمعت صليبا معناه كاسب قوت . والصليب : الودك ، ومنه قول الآخر : يا أيها المشتكى عكلا وما جرمت * إلى القبائل من قتل وإيئاس *